#1  
قديم 08-29-2010, 02:47 PM

معلومات العضو

محمد
عضو نشيط

إحصائيات العضو






شخصيات إسلامية


يعقوب الكندي.. فيلسوف العرب
(185– 226هـ)

سيرته الذاتية

هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، وُلد في العام 185هـ الموافق 825م في مدينة"الكوفة"، وقد تلقى في صباه التعليمَ الكثير؛ حيث حفظ القرآن الكريم ودرس الفقه وكذلك الحساب واطلع على علم الكلام، ولما كبر انتقل إلى الإقامة في "بغداد" ومال إلى دراسة العلوم والفلسفة ومن وقتها لم يترك هذه الدراسات حتى أُطلق عليه لقب "فيلسوف العرب".

وقد تُوفي في العام 226هـ الموافق 866م بعد أن ترك للفكر الإسلامي ذخيرة فكرية ما بين كتب وأفكار.

إنجازاته العلمية وتراثه الفكري
أسهم الفيلسوف الكندي في العلوم الإسلامية والفلسفة والرياضيات والفلك حتى عُرف بـ"مؤسس الفلسفة الإسلامية"، وقد كان يترجم الكتب ويراجعها ويلخصها حتى أسَّس الفلسفة الإسلامية بعد أن كانت هذه العلوم حكرًا على السريانيين، وقد بلغت شهرته العلمية والفكرية الآفاق إلى الدرجة التي دفعت الخليفة العباسي "المعتصم بالله" أن يندبه لكي يعلم ابنه العلوم والفنون المختلفة، وقد اعتبره البعض أبرز علماء عصره في العلوم القديمة والحساب.

أبرز كتبه
كان الكندي غزير التأليف، وقد اختلف المؤرخون والموثقون حول عدد كبته، فمنهم من قال بأنهم 240 ومنهم من زادهم إلى 280، وعلى الرغم من ضخامة هذه التقديرات إلا أن بعض هذه المؤلفات كان من الحجم الصغير الذي يتجاوز عدة صفحات، وقد قام ابن النديم بتصنيفها إلى 17 نوعًا.

ومن أبرز كتبه "الحث على تعلم الفلسفة" و"ترتيب كتب أرسطو طاليس" وذلك في الكتب الفلسفية، أما في كتبه الهندسية ما كتبه في أغراض "إقليدس" ورسالته في شروق الكواكب وغروبها بالهندسة، كما ألف كتبًا في الجدليات حيث تولى في العديد منها الرد على المذاهب غير الإسلامية، ومنها كتابه في الرد على "الثنوية" الذين يدعون بوجود قوتي الخير والشر في العام وأن الحياة الإنسانية ما هي إلا صراع كبير بينهما، وكتابه في نقض مسائل الملحدين، ولا يتسع المقام لذكر كل ما أبدعته قريحة الفيلسوف الإسلامي الأكبر والأول.

ملامح من فلسفته
كانت الفلسفة عند الكندي هي طلب الحق، وهو ما يعني التعرف على حقائق الأشياء، وقد أكد الكندي أن هناك حقًا أول هو الله سبحانه وتعالى والذي خلق كل الأشياء والذي يحركها ولا يتأثر بها، وبالتالي افترق عن الفيلسوف الإغريقي أرسطو الذي لم ينزه الذات الإلهية في تصوراته الفلسفية.

وأكد الكندي أيضًا أن الغاية من الفلسفة هي التعرف على الخالق سبحانه وتعالى، أي أنه جعل الفلسفة وسيلة لا غاية في حد ذاتها، كما جعلها أسلوبًا من أجل تقوية إيمان المرء بالله تعالى، وبالتالي ساهم في التوفيق بين الفلسفة وبين الدين، منهيًا الصراع الطويل الذي دار بين العلماء والفقهاء والفلاسفة في الفكر الإسلامي حول هذا الموضوع؛ حيث أشار إلى أن الدين يستند إلى الوحي ويدعو الإسلام إلى إعمال العقل من أجل تقوية إيمان المرء، ولما كانت الفلسفة تدعو إلى الاعتماد على العقل أيضًا فلا يكون هناك تعارض بينهما، وإنما الفلسفة تعتبر أداة من أدوات الإنسان من أجل الإيمان.

وقد اهتم الكندي بالفلسفة لدرجة أنه جعلها تشمل كل العلوم وقسمها 3 أقسام وهي العلوم الرياضية والتي ينبغي أن يبدأ بها التعليم، والعلوم الطبيعية ثم العلوم الإلهية التي اعتبرها أعلى العلوم التي توصل إليها الإنسان, أيضًا عمل الكندي على الاهتمام بدور الأخلاق في بناء الحضارة الإنسانية.

وبعد كل هذه الإسهامات في مجال العلم عامة وفي مجال الدراسات الفلسفية تحديدًا، يمكننا أن ندرك أسباب تلقيب الكندي بلقب "فيلسوف العرب"؛ حيث وفق بين الفلسفة والدين في الإسلام، ووضع للعقل دوره الحقيقي والأساسي في عملية إيمان الإنسان وإدراكه لحقيقة ذاته وعالمه ودينه، وإلى جانب ذلك كله أسس المنظومة الكبيرة المسماة بـ"الفلسفة الإسلامية" التي ازدهرت بعد ذلك وأصبحت ركنًا أساسيًا في الثقافة الإسلامية، وحمل من بعده لواءها العديد من كبار الفلاسفة مثل "ابن رشد"، وفي عصرنا الحالي الدكتور "زكي نجيب محمود".[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]

خولة بنت ثعلبة.. التي سمِع اللهُ قولَها
من هي؟!

هي خولة بنت ثعلبة، إحدى النساء المؤمنات العارفات بالله تعالى، والتي كانت على عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعاشت حتى تولَّى سيدُنا عمر بن الخطاب خلافةَ المسلمين وسمِّيَ بـ"أمير المؤمنين"، وقد كانت زوجةً لأوس بن الصامت، وهو الزواج الذي كان سببًا في شهرة خولة إلى يوم الدين بإذن الله تعالى.

مناقبها وأخلاقها الشخصية
كانت خولة بن ثعلبة قويةً في الحق وشجاعةً، ويُحكَى أنها قابلت سيدَنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بعد أن تولى خلافة المسلمين ولم تستدِر لتغادر طريق أمير المؤمنين، رغم أن الشيطان كان يستدير ويسلك طريقًا آخر لو رأى في طريقه الأول سيدنا عمر، ولما اعترضت طريقَه قالت له إنها شاهدته وهو صبي ثم وهو أحد أعلام الإسلام ثم وهو أمير المؤمنين، وكانت بذلك تذكِّره بأنه كان بسيطًا فلا يدع الغرور يدخل قلبه، وطالبتْه بأن يتقيَ اللهَ في الرعية وأن يعدل بينها، وفي ذلك الموقف ما يوضح جرأتَها في الحق ومعرفتَها بتعاليم الدين الإسلامي التي لا تفرق بين المسئول وبين الرعية وتعطي الرعية الحقَّ في توجيه رعاتهم.

إلى جانب ذلك كانت حريصةً على بيتها وزوجها أكثر من حرصها على أي شيء آخر، عملاً بالتعاليم الإسلامية التي تدعو الرجل والمرأة إلى حماية الحياة الأسرية، ولما كبُر زوجُها أوس بن الصامت في السن ضاق خلقُه بفعل أمراض الشيخوخة، فكانت تحتمله لأنها كانت تحبه؛ حيث كان زوجَها وابنَ عمها، وقد أخبرت الرسول بذلك، لكنه ذات مرة بلغ به الضيق مبلغَه فطلَّقها على طريقة الجاهلية في الظهار، وقال: "أنت عليَّ كظهر أمي".

وفي هذه الحالة كانت أية زوجة أخرى ستُسيء معاملةَ زوجها أو تمارس معه المضايقات عندما يبدأ كل طرف في إنهاء علاقته المادية والمعنوية من الآخر بعد وقوع الطلاق, لكنَّ خولة بنت ثعلبة شعرت بفطنتها أن الأمر ليس طلاقًا كاملاً فهو لم يطلقها وفق تعاليم الإسلام، وبالتالي فهي لا تزال زوجتَه، لكنه قال لفظة طلاق معتادةً بين العرب في الجاهلية، فتوجَّهت من تلقاء نفسها إلى الرسول الكريم وقصَّت عليه القصة كلها فأنزل الله تعالى على رسوله الكريم قرآنًا يُتلى في أول سورة المجادلة؛ حيث قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1) وأمرَها الرسول الكريم بأن تدفع زوجَها لعتقِ رقبة، لكنها قالت بأنه لا يملك، فأمرها بإطعام 60 مسكينًا، فأخبرته بأنهما لا يملكان، حتى أمرها بالتصدق بالتمر، وهنا تتضح سمةٌ أخرى من سمات خولة بنت ثعلبة، وهي تمسُّكُها ببيتها وزوجها إلى النهاية وعدم تفريطها فيهما، حتى بعد أن شاخ زوجها واضطربت سلوكياته للدرجة التي ظاهرها فيها على أخلاق الجاهلية دون أن يدرك أنه على الدين الإسلامي.

رحم الله خولةَ بنتَ ثعلبة، التي ضربت المثال الأبرز في الفطنة عندما لجأت إلى الرسول الكريم لكي يحلَّ لها ما أعضلها من مشكلة زوجية، ولم تُدخل فيها أيَّ شخص آخر إلا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ مما يوضح عمق إيمانها وثقتها في دينها، وكذلك حرصها على منزلها، ورغبتها في أن تحل مشكلتها بأسرع وقت وفق التعاليم الإسلامية، إلى جانب ما أبرزته أمام الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من شجاعة الخِطاب، ومعرفة حدود التعامل بين الراعي والرعية.[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]


قتادة بن النعمان.. الذي ردَّ عليه الرسولُ عينَه
ملامح من شخصيته

هو الصحابي الكريم قتادة بن النعمان بن زيد، كان من أنجب العرب، وقد كان يشعر في نفسه- كما تقول كتب التراث- أنه ينبغي أن يؤمن بدين معين، وأن هذا الدين سيوجد ويعلِن نفسه على البشرية كلها، حتى هداه الله تعالى إلى الإسلام، فأسلم رضوان الله عليه قبل يوم بدر، وقد صحِب الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- وأخلصَ لله تعالى، فكافأَه الله تعالى في الدنيا والآخرة.

جهاده في سبيل الله تعالى
كان قتادة بن النعمان- رضي الله عنه- من الراغبين في الإسلام والعاملين على خدمته بكل ما يملك وما يستطيع، وقد كان من أكثر الناس حرصًا على المشاركة في الغزوات كي يمنحَه الله جل وعلا الشهادة، وفي غزة بدر خرج يبغي الشهادة ولكنها لم تُكتب له وإنما خُرقت عينُه وسالت على وجهه؛ حيث كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يرمي في الغزوة بنفسه، فأخذ عنه قتادة يبغي مساعدتَه فخُرقت عينُه، فلم يدرِ المؤمنون ماذا يفعلون فأخذوا قتادةَ إلى الرسول الكريم الذي تناول حدقتَه بكفِّه وأعادها إلى مكانها وهو يدعو ويقول: "اللهم زدْه جمالاً"، فيقول قتادة إن عينَه عادت سليمةً كما كانت وأحسن من حالتها الأولى.

وقد حضر مع النبي- صلى الله عليه وسلم- كلَّ الغزوات والمشاهد القتالية كلها ومن بينها يوم الفتح، وبعد وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يقصِّر قتادة بن النعمان في شيء بل واصل كفاحه وجهاده في عهد كلٍّ من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

وفاته رضوان الله تعالى عليه
كان رضي الله عنه حريصًا على الشهادة في سبيل الله تعالى، فشارك في كل الغزوات على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كما حرص على مواصلة جهاده في عهد الخلفاء من بعده، وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- سار على رأس الجند الذي اتجه إلى الشام، مواصِلاً بذلك حياته الجهادية.

وقد تُوفي- رضي الله تعالى عنه- في السنة الـ23 من الهجرة النبوية في المدينة المنوَّرة عن عمرٍ وصل إلى 65 عامًا، وقد نزل سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- إلى قبره؛ تكريمًا له وحرصًا على مرافقته حتى اللحظة الأخيرة.[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]


حنظلة بن أبي عامر الراهب
من هو؟
هو حنظلة بن أبي عامر الراهب، وُلِد قبل البعثة النبوية، وكان قويَّ الإيمان والطاعة لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كان أبوه أبو عامر الراهب يسعى قبل البعثة إلى معرفة من هو النبي الجديد الذي كان يقال له "نبي آخر الزمان"، وكان يجتهد في السؤال حتى يؤمن به.

ولما بعث اللهُ تعالى الرسولَ- عليه الصلاة والسلام- دبَّت الغيرة في نفس أبو عامر والد حنظلة، وأبى أن يدخل في دين الإسلام، لكنَّ اللهَ جل وعلا منح ابنَه حنظلةَ نور الهداية، فآمن بالله تعالى وصار من أشد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانًا وتصديقًا.

فضائله وأعماله في خدمة الإسلام
كان هذا الصحابي الجليل- رضوان الله تعالى عليه- من أكثر الناس حرصًا على خدمة الإسلام والنبي عليه الصلاة والسلام، وكان يحرص على ملازمة الرسول الكريم في كل مكان يذهب إليه ويعمل على المشاركة في كل عمل يأخذه النبي- صلى الله عليه وسلم- على عاتقه.

ومن أبرز تضحياته أنه ذات يوم أراد أن يتزوج وبالفعل تزوج من جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وكان في اليوم التالي قتالُ يوم أُحد بين المسلمين والمشركين، فاستأذن من الرسول الكريم أن يبيت عند زوجته، فأذن له الرسول، ولما حان الصباح خرج من منزله واتجه إلى القتال ضاربًا المثل الرائع في التخلِّي عن متاع الدنيا في الخروج إلى القتال في اليوم التالي لزواجه؛ حيث استغنى عن كل المتع واتجه إلى الجهاد في سبيل الله تعالى عالمًا بأنه قد يسقط شهيدًا ولا يعود إلى زوجته مرةً أخرى، كما أنه كان يتمنى أن يفديَ الرسول الكريم بماله وبنفسه وبكل ما يملك.

استشهاده في سبيل الله تعالى
كان حنظلة بن أبي عامر هذا الصحابي الكريم على موعد مع الشهادة في سبيل الله في غزوة أحد؛ حيث كان القتال على أشدِّه، وانكسرت صفوف المسلمين أمام الكفار في القتال، وفي أثناء القتال التقى حنظلة مع أبي سفيان بن حرب- وذلك قبل إسلام أبو سفيان- وضرب حنظلةُ أبا سفيان فأسقطه أرضًا، وهنا تختلف الروايات حول ظروف استشهاد الصحابي الجليل، فهناك من قال بأنه سقط بضربة رمح من أحد المشركين، وهناك من قال بأنه سقط بضربة سيف من شداد بن الأسود، وعلى كل الأحوال فقد سقط شهيدًا في سبيل الله تعالى، وثبت في القتال ولم يولِّ الأدبارَ، ولما سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقصة استشهاد حنظلة وكان قد علِم- عليه الصلاة والسلام- بخروجه في الصباح التالي لزفافه قال: "إن صاحبكم تغسِّله الملائكة".

وتوضح لنا ظروف استشهاد حنظلة وتعليق الرسول- عليه الصلاة والسلام- عليها أن الإنسان في علاقته بربه جل وعلا عليه أن يتناسى كلَّ زخارف الدنيا ومتعِها ومباهجِها بل وحتى همومها؛ من أجل أن يجيب دعوة الله تعالى، وفي المقابل فإن الله سبحانه وتعالى لا ينسى عبادَه المخلصين الطائعين، فها هو حنظلة يترك بيته وهو لم يكمل يومًا واحدًا من الزواج ويتجه إلى الجهاد، فيكون الثواب الإلهي هو الشهادة والغسل على يد الملائكة.[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]


عبد الله بن رواحة.. الأمير الشهيد
من هو؟
الجهاد ذروة سنام الإسلام

هو "عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة"، يُكنى بـ"أبي محمد" و"أبي رواحة"، وُلد في أسرة كريمة من أسر "الخزرج" في "المدينة المنورة"، وكان يقرأ ويكتب وهي سمة كانت مهمة جدًا في ذلك الوقت الذي ندر فيه القراء والكتبة.

وكان شاعرًا وفارسًا مقاتلاً، وكثيرًا ما اعتمد عليه قومه "الخزرج" في حروبهم ضد "الأوس" قبل أن يؤلف الله تعالى بين قلوبهم بالإسلام، وقد أسلم بن رواحة كغيره من أهل المدينة على يد "مصعب بن عمير" رضي الله عنه، والذي أرسله الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة كي يدعو أهلها للإسلام.

حياته وجهاده في سبيل الله تعالى
كان الصحابي "عبد الله بن رواحة" رضي الله عنه من أشد الناس اعتزازًا بدينهم الإسلامي، ويروى عنه أنه ذهب ذات مرة إلى يهود "خيبر" بناءً على أمر من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فحاولوا أن يقدموا له رشوة فأبى ورفض رفضًا قاطعًا، وكان رحمه الله تعالى من أشد الناس ورعًا وأكثرهم تقوى حتى أن أبا الدرداء ذكر أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وابن رواحة هما فقط من اعتاد الصوم في أيام السفر الحارة، ويُذْكَرُ عن زوجته أنها قالت بعد وفاته أن هذا الصحابي الكريم كان يصلي ركعتين قبل خروجه من البيت وركعتين عند دخوله، ولم يخالف هذه العادة أبدًا طيلة حياته التقية.

ومن الأعمال البارزة التي قام بها في حياته- رضوان الله تعالى عنه- أنه بايع الرسول عليه الصلاة والسلام في "بيعة العقبة الثانية" حين خرج للحج فلاقى الرسول الكريم وصافحه فكان ابن رواحة هنا من النقباء الاثني عشر، كما كان على رأس مستقبلي الرسول عليه الصلاة والسلام عندما وصل "المدينة المنورة" مهاجرًا من "مكة المكرمة".

ومن مواقفه الشهيرة في نشر الدعوة الإسلامية تسببه في إسلام أبي الدرداء؛ عندما دخل ابن رواحة منزل أبي الدرداء رضي الله عنه في غيابه وقام بتحطيم الصنم الذي كان يتعبد له أبو الدرداء مما دفع أبا الدرداء إلى إدراك حقيقة الأصنام وعدم قدرتها على حماية ذاتها، وبسبب هذا الموقف ظل أبو الدرداء رضي الله عنه يذكر ابن رواحة بالخير في كل مجلس.

وقد أبلى ابن رواحة البلاءَ الحسن في الجهاد في سبيل الله تعالى حيث شارك في غزوة بدر، وقاتل قتال الشهداء في غزة أحد، وقد بلغ عظم شأنه عند رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه استخلفه على "المدينة المنورة" في الغزوة التي عرفت باسم "بدر الموعد"، والتي تلت غزوة أحد، كما شهد الرسول الكريم بأن شعر ابن رواحة أشد وقعًا على الكفار من السهام وأصبح "عبد الله بن رواحة" من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم.

استشهاده يوم "مؤتة"
نال "عبد الله بن رواحة" الشهادةَ في غزوة "مؤتة"، وقد خرج المسلمون في هذه الغزوة في جيش من 3 آلاف مقاتل للقاء جند الروم الذين قُدِرَ عددهم يومئذ بـ22 ألفًا، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في هذه الغزوة بأن يكون ابن رواحة الثالث في ترتيب من يرفع علم المسلمين إذا ما استشهد رافع العلم الأول والثاني الذي يليه في الترتيب.

وأخذ ابن رواحة الراية وصار يقاتل وهو يحمل راية الإسلام حتى سقط شهيدًا في سبيل الله تعالى فائزًا بالنعيم الأخروي بعد أن فاز في الدنيا بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان ابن رواحة رضي الله عنه بذلك هو "الأمير الشهيد"، ولا زالت الألسنة لليوم تردد معه قائلة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينـا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينـة علينـا وثبت الأقدام إن لاقينـا[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]

حارثة بن النعمان.. قارئ القرآن الكريم في الجنة

من هو؟

هو "الحارثة بن النعمان" أحد الأنصار الذين ناصروا الرسول صلى الله عليه وسلم في "المدينة المنورة"، شهد غزة "بدر".
كان من أبرز صفاته بره بأمه وتدينه وحرصه على الجهاد في سبيل الله تعالى وذلك سواء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أو في عهد الخلفاء الراشدين وبخاصة في عهد سيدنا "عثمان بن عفان"رضي الله عنه.

إسلامه
جاء إسلام هذا الصحابي الجليل "الحارثة بن النعمان" بعد بيعة "العقبة" وقد أسلم على يد "مصعب بن عمير" رضي الله عنه حين ابتعثه الرسول الكريم لكي يعرف أهل المدينة بتعاليم الدين الحنيف وذلك بعد أن بايعه مسلمو المدينة في بيعة العقبة واطمئن لاستقرار الإسلام هناك وأسلمت أسرت ابن النعمان كلها معه، وقد كان "الحارثة بن النعمان" في طليعة من استقبلوا الرسول عليه الصلاة والسلام عند حضوره مهاجرا إلى "المدينة المنورة".

خصاله الشخصية وأعماله في خدمة الدعوة الإسلامية
كان "الحارثة بن النعمان" من أبر أهل الأرض بأمهم، فكان يطعمها بيده حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم رآه في المنام يقرأ القرآن الكريم في الجنة جزاءً لبره أمه في الدنيا وقد بلغ حبه لوالدته أنه فرح أشد الفرح عندما أسلمت والدته "جعدة بنت عبيد"، ومن المواقف الأخرى التي تدل على عظم هذه الشخصية الإسلامية أنه لقي الرسول صلى الله عليه وسلم سائرًا فألقى السلام فرد الرسول الكريم ثم أخبر ابن النعمان فيما بعد أنه كان سائرًا مع "جبريل" عليه السلام وأن جبريل رد السلام على ابن النعمان.

وقد عمل هذا الصحابي الكريم على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله تعالى ومن مواقفه مع الرسول الكريم أنه ترك لـ"علي بن أبي طالب" منزله الذي كان يجاور منزل النبوة في "المدينة المنورة" لكي يسكن علي مع السيدة "فاطمة الزهراء" رضي الله عنها وأرضاها بعد أن تزوجا في منزل بعيد عن منزل الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى جانب ذلك كان من الذين شاركوا في غزوة "بدر" وكذلك غزوة "حنين" وكان في يوم "حنين" من المائة الصابرين الذين ثبتوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الجزاء الإلهي لصبره وثباته في هذا اليوم أن قال سيدنا "جبريل" عليه السلام لرسول الله عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى تكفل برزق ابن النعمان رضي الله عنه في الجنة، وكان من فرط حبه للرسول الكريم انه يتمنى لو بذل كل ما يملك في سبيل الله تعالى.

وقد استمر على إخلاصه في سبيل الدعوة الإسلامية بعد وفاة الرسول الكريم ويٌذْكَرُ عنه أنه قال لسيدنا "عثمان بن عفان" رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين حين حوصر: "إن شئت وقفنا دونك" وذلك في محاولة منه لحماية سيدنا عثمان قبل استشهاد خليفة المسلمين.

وفاته
توفي "حارثة بن النعمان" رضي الله عنه وأرضاه على عهد الخليفة الأموي "معوية بن أبي سفيان" وقد كان في حياته ساعيا على الدوام لمرضاة الله تعالى وإرضاء رسوله الكريم، وكان من أكثر الناس حرصا على رفع كلمة الحق ونشر دعوة الله تعالى وقد بلغ من تقواه أن بارك الله تعالى له في ذريته فكان منها "محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان" أحد المحدثين، وقد قال الإمام الذهبي عن "الحارثة بن النعمان" أنه كان دينا خيرا بارا بأمه، وهذه الصفات التي ينبغي على كل مسلم أن يتحلى بها في حياته لكي ينال بعضا مما نال ابن نعمان في الحياة الدنيا من حب الرسول الكريم وفي الآخرة من رضوان الله تعالى.

[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]

عاتكة بنت زيد
من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة
المسجد النبوي الشريف

إنها الصحابية الكريمة التي جمع الله لها من الفضائل والمكارم قدرًا عظيمًا.. فهي أخت سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة وأمها أم كريز بنت الحضرمي.. خالها العلاء بن الحضرمي الصحابي المشهور، وخالتها الصفية بنت الحضرمي أم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة، أبوها زيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنه سيبعث أمة وحده، ولا بد لنا من الحديث عن ابنها باعتباره الشجرة التي خرجت منه الثمرة المباركة.

لقد كان أبوها (زيد بن عمرو بن نفيل) فريدًا في زمانه، إذ كان الناس يعبدون الأصنام بينما كان هو يعبد الواحد فخرج من صلبه هذا الجيل المبارك، وعلى رأسهم سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وعاتكة بنت زيد تلك الصحابية الجليلة والزوجة العظيمة التي قال فيها أهل المدينة من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة.

وكان زيد بن عمرو بن نفيل يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها، كما كان يعيب على قريش ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله.

ولقد وقف زيد بن عمرو بن نفيل فلم يدخل في يهودية أو نصرانية وفارق دين قومه، فأعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان وقال أعبد رب إبراهيم.

قال ابن إسحاق: حدثت أن ابنه سعيد بن زيد، وعمر بن الخطاب ابن عمه قالا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم استغفر لزيد بن عمرو، قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نعم فإنه يبعث أمة وحده.. هكذا كانت الشجرة التي خرجت منها ثمرتنا المباركة، وقد اشتهرت عاتكة بين نساء قريش بالفصاحة والبلاغة ورجاحة العقل والجمال البارع.

زواجها من عبد الله بن أبي بكر
أخرج أبو نعيم من حديث عائشة رضي الله عنها أن عاتكة كانت زوج عبد الله بن أبي بكر الصديق وقال أبو عمر: كانت من المهاجرات تزوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت حسناء جميلة فأولع بها وشغلته عن مغازيه فأمره أبوه بطلاقها، وعزم عليه أبوه حتى طلقها فتبعتها نفسه فسمعه أبوه يومًا يقول:

ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها
ولا مثلها من غير جرم تطلق

فرقَّ له أبوه وأذن له فارتجعها، ثم لما كان حصار الطائف أصابه سهم فكان فيه وفاته، فمات بالمدينة فرثته بأبيات منها

رزيت بخير الناس بعد نبيه
وبعد أبي بكر قصرًا
فالبت لا تنفك عيني سخينة
عليك لا ينفك جلدي أغبرا

زواجها من عمر بن الخطاب
وعن يحي بن عبد الرحمن بن حاطب: كانت عاتكة تحب عبد الله بن أبي بكر فجعل لها طائفة من ماله على ألا تتزوج بعد مماته، فأرسل عمر بن الخطاب إلى عاتكة أن قد حرمت ما أحل الله لك فردي إلى أهله المال الذي أخذته ففعلت، فخطبها عمر فنكحها.

وذكر أبو عمر في التمهيد أن عمر بن الخطاب لما خطبها شرطت عليه ألا يضربها ولا يمنعها من الحق ولا من الصلاة في المسجد النبوي.

موقفها من فراق الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
وعند وفاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حزنت عاتكة رضي الله عنها حزنًا شديدًا لموته فقامت ترثي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بقصيدة كان منها:
أمست مراكبه أوحشت
وقد كان يركبها زينها
وأمست تبكي على سيد
تردد عبرتها عينها
وأمست نساؤك ما تستفيق
من الحزن يعتادها دينها

وعاشت في رحاب فاروق الأمة الأواب أجمل أيام عمرها ورأت مواقفه العظيمة لخدمة دين الله عز وجل وحرصه على الرعية، وظلت تتعلم بين يديه الكثير والكثير إلى أن جاء اليوم الذي قتل فيه شهيدًا كما بشره الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.

وعندما قتل عمر رضي الله عنه بخنجر أبي لؤلؤة المجوسي قامت عاتكة ترثيه وتقول:

عين جودي بعبرة ونحيب
لها تملي على الإمام النجيب
قل لأهل الضراء والبؤس موتوا
قد سقته المنون كأس شعوب

زواجها من الزبير بن العوام
وبعد استشهاد الفاروق عمر تزوجها حواري رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأحد العشرة المبشرين بالجنة الزبير بن العوام رضي الله عنه، وكان الزبير فارسًا مغوارًا لا يخشى الموت أينما كان، ولم يتخلف عن غزوة غزاها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فعاشت معه حياةً كريمةً كلها طاعة لله عز وجل.

وكانت تعلم أنه رضي الله عنه سيموت شهيدًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بشَّره بالشهادة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد، وكان ضمن مَن عليه عمر بن الخطاب والزبير بن العوام.

الرحيل
وبعد حياة طويلة مباركة وعطرة، مليئة بالبذل والعطاء والتضحية من أجل نصرة دين الله نامت ضيفتنا المباركة على فراش الموت وصعدت روحها إلى بارئها، وكان ذلك في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه) رحمها الله ورضي الله عنها وأسكنها في جنة الفردوس الأعلى.[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]


النوار بنت مالك الأنصارية

إعداد: إيمان محروس
هي النوار بنت مالك بن صرمة بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وهي صحابية أنصارية سخَّرت مالَها وابنَها لله تعالى، ولرسوله الكريم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأسلمت مع مَن أسلم من أهل المدينة المنورة على يد الصحابي الجليل مصعب بن عمير، ومنذ ذلك الحين وهي تحفظ بشغفٍ آياتِ القرآن الكريم وتلقِّنها ابنَها وتعلِّمه كلَّ ما تتعلمه.


ولولا حرص هذه الصحابية على تربية ابنِها تربيةً إسلاميةً صحيحةً وإعداده كي يصبحَ في نصرة الإسلام ما كانت لتصبر وتتحمل، وها قد رأت أمام عينيها ثمرةَ ما غرسته في ابنها منذ الصغر؛ كي تسعد في الدنيا والآخرة.

النوار هي أم زيد بن ثابت كاتب الوحي وإمام أهل المدينة في العلم وقراءة القرآن، والذي أسلم وهو ابن إحدى عشرة سنة، وأمره النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بتعلم لغة يهود؛ ليكاتبَهم بها فأجادَها وأتقنها في فترة قصيرة، وهو الذي كلفه الخليفة أبو بكر الصديق بجمع القرآن الكريم من صدور الحافظين.

كانت النوار مثالاً لكرم الأنصار وحسن ضيافتهم، فهي ممن تسابقن في بذل الغالي والثمين ابتغاء مرضاة الله تعالى، وكانت ممن مدحهم الله تعالى في كتابه قائلاً: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9)، فعندما نزل الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ضيفًا على أبي أيوب الأنصاري في المدينة المنورة كانت النوار تلك الصحابية الجليلة صاحبة أول هدية تُهدى للرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فقد أرسلت إليه مع ابنها قصعةً فيها خبزٌ مثرودٌ بلبن وسمن، فنالت هي وابنها دعاءَ الرسول لهم بالبركة، فقد رُوي عن زيد بن ثابت أنه قال: أول هدية أُهديت إلى رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حين نزل دار أبي أيوب الأنصاري، أنا جئتُ بها قصعة فيها خبزٌ مثرودٌ بلبنٍ وسمن، فقلت: أَرسَلَتْ بهذه القصعة أمي، فقال- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "بارك الله فيك وفي أمك"، ودعا أصحابه فأكلوا.

وما كان من ليلةٍ إلا وعلى باب الرسول الكريم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مَن يتسابقون في حمل الطعام إليه، ولكنَّ فضل السبق في هذا حازته تلك الصحابية المعطاءة.

واستكمالاً لما نالته هذه الصحابية من شرفٍ ومكانةٍ عاليةٍ فقد كانت دارُها أولَ بيت يؤذَّن من فوقه للصلاة؛ حيث كان أعلى دار حول مسجد الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بالمدينة المنورة، فكان سيدنا بلال رضي الله عنه يؤذن من فوقه.

وهكذا أصبح دار النوار بنت مالك أول منارةٍ يؤذَّن من فوقها للصلاة والسعي إلى ذكر الله.
كانت هذه الصحابية شديدة الحب للحديث النبوي الشريف، فروَت عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بعض الأحاديث، وكذلك عن أمهات المؤمنين، وكانت همتها عاليةً، فقد وهبت حياتَها لله فأكرمها في الدنيا وحَبَاها بمكانةٍ عاليةٍ بين نساء الأنصار، وكيف لا وهي أمُّ كاتب الوحي للرسول الكريم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وجامع القرآن الكريم، ونالت من الرسول الكريم الدعاء لها ولابنها بالبركة.

إنها نموذجٌ لأم مثالية، غرست خيرًا، فحصدت خيرًا، ومثالٌ للمسلمة التي أخلصت لله في دينها، وتفانت في نصرة هذا الدين.. رضي الله عنها وأرضاها، وجعلها في مستقرِّ رحمته.

-------------
المرجع: حياة الصحابيات أ. د. حمزة النشرتي[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]


علي الغاياتي.. الشاعر الثائر
( 1885م- 1956م)



هو المجاهد الوطني الكبير الشيخ علي الغاياتي والذي عاش في عصرٍ ينوء بالعواصف والفتن، فمصر كانت ولاية تتبع الدولة العثمانية بالاسم، لكنها واقعة تحت نير الاحتلال البريطاني، وقد ترك فيها جمال الدين الأفغاني (1871م- 1879م) أثرًا كبيرًا لإيقاظِ الفكر وظهور تيار جديد أساسه الدعوة إلى الحرية والحكم النيابي والدستور والتخلص من النفوذ الأجنبي المتمثل في الاحتلال، وكذلك التخلص من حكم الفرد المطلق ونفوذ الخديوي، وحاشيته التركية المحيطة به.

المولد والنشأة
ولد علي الغاياتي يوم 24 أكتوبر 1885م، وتلقى تعليمه في أحد الكتاتيبِ الكثيرة التي كانت منتشرةً في دمياط، وكان يملكه والده الشيخ "محمود الغاياتي" وبه تعلَّم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ بعض آيات القرآن الكريم، ثم استكمل مرحلة تعليمه الابتدائي في مدرسة (الفتوح الرباني) التي أنشاها الشيخ علي الحزاوي عام 1873م، انتقل بعدها إلى المعهد الأزهري بجامع البحر، ثم عمل مدرسًا في نفسِ المدرسة التي تلقى فيها تعليمه الأولي.

الغاياتي كاتبًا
ويبدو أنَّ الحياة الهادئة المطمئنة التي كان يعيشها في بلده الوديع أو (المحافظ) كما كان يُسميه، لم تكن تلائم طبيعته ، الجامحة إلى الكفاح والنضال، بدليل قوله عن شعره البدائي الذي كان ينظمه في بدء شبابه، بعيدًا عن الأغراض السياسية والوطنية (.. ولقد أضلني ما أضل الشعراء من قبل، فطرقت في بدء محاولتي للنظم موضوعات لا خيرَ فيها للبلاد ولا ذكر للأمة والوطن، أما عذري في ذلك إن حاولت الاعتذار فذالك أنني في معزل عن الحركة الوطنية ولا أعرف من أمرها شيئًا وحسبي أني ولدتُ في مدينة دمياط ونشأت فيها بين قومٍ كرام، غير أنهم (محافظون) يعبدون الحكام كأنهم آلهة يحيون ويميتون، ثم لا يكادون يذكرون الوطن والوطنية على الإطلاق.

وفي اليوم الرابع من إبريل عام 1907م رحل إلى القاهرة فقيرًا مجهولاً يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، فاتخذ مسكنًا في حي عابدين قريبًا من دور الصحف، وما لبث أن عمل محررًا بجريدة "الجوانب المصرية "لصاحبها خليل مطران، وحدث أنْ كتب الغاياتي مقالاً بعنوان (الدستور أميرنا) لم يُعجب صاحب الجريدة، فجمع النسخ من أيدي الباعة، ووضع مكانه مقالاً آخر، فغضب الغاياتي لهذا التصرف وترك العمل بالجريدة، وانتقل إلى "اللواء".

الغاياتي ثائرًا
- عمل الغاياتي في مجلةٍ يصدرها الشاعر خليل مطران، وخاض على صفحاتها أولى معاركه عام 1907م ضد علماء الدين الذين نشروا صناديق النذور والتوسل بأرباب القبور ووصفهم بأنهم "من ذوي الأفكار العتيقة البالية الجاهلة"، فعاقبت السلطات الغاياتي على جرأته بالتحقيق معه وسجنه اثني عشر يومًا.

- وانضم الغاياتي إلى الحزب الوطني؛ لأنه كان الأعلى صوتًا في تلك الفترة ضد الاحتلال والقصر، وأخذ ينشر قصائده النارية هجومًا على المحتلين وأبواقهم.
- وهاجم أمير الشعراء أحمد شوقي، وشيوخ الأزهر وغيرهم من رجال الإعلام الموالين للاحتلال.


- وأيد الغاياتي في مقالاته وشعره كل عملٍ ثائرٍ في مصر وخارجها، من أجل إجلاء الإنجليز، والأخذ بالدستور، وإصلاح الحكم، والضرب علي يد الفساد، ونشر التعليم.

- وامتدح بقصائده قادة الحركة الوطنية مثل مصطفى كامل، ومحمد فريد.

- وشن الغاياتي حملة على أحمد شوقي أمير الشعراء؛ لأنه صرَّح بلسانِ الخديوي أنَّ إعلان الدستور غير ممكن إلا بإذنٍ من الإنجليز.

- وكتب قصيدةً ناريةً وقف فيها مع إضراب طلبة الأزهر وتحقيق مطالبهم.

- وحين صدر قانون المطبوعات المقيد للحريات كتب قصيدة يقول فيها : "لئن قيدوا مني اليراع وأوثقوا لساني.. فقلبي كيفما شئت ينطق".

- ولم يفلت الخديوي عباس من لسان الغاياتي حين ظهر ميله إلى الاحتلال.

- كما رحَّب في قصيدةٍ له بموقفِ الشاب الهندي الذي أطلق رصاصه على السير "ويللي" في أحد شوارع لندن فأرداه قتيلاً، وكتب إنَّ الهند بذلك قد نالت المجد كله في نضالها من أجل الحرية.

- في عام 1910م قام الرئيس الأمريكي السابق تيودور روزفلت بزيارة لمصر أشاد خلالها بالاحتلال البريطاني، فهاجمه علي الغاياتي بعنفٍ.
وكانت تلك كلها مواقف جريئة شجاعة لروح ثائرة، ضاق بها صدر الحكومة، بل وضاق بها صدر عباس العقاد الذي تساءل: "أيمكن أن تُلام الحكومة إذا ضيقت من حرية الصحافة بعد أن استفاضت الدعوة لارتكاب الجرائم؟".


الغاياتي شاعرًا
في الفترة من 1907م إلى 1910م، وهي التي قضاها الغاياتي في القاهرة كان لعمله في الصحافة أثر كبير في اتصاله بأدباء عصره، فكان يشاركهم جلساتهم ويعرض عليهم قصائده، وفي يوليو 1910 أصدر ديوانًا جمع فيه شتات مقطوعاته الشعرية وقصائده المتفرقة واختار له اسمًا ما لبث أن ذاعت فيما بعد شهرته وهو (وطنيتي).

لم تزد صفحاته عن 135 صفحة من القطع الصغير، ولم تزد قصائده عن مائة بعضها لا تتجاوز أبياته الأربعة، وكان في الديوان قصائد وطنية تندد بالاحتلال البريطاني لمصر وتصدر عن روح التمرد التي أشاعتها دعوة الزعيم مصطفى كامل وخليفته الزعيم محمد فريد.

وديوان "وطنيتي" كما يقول فتحي رضوان في كتابه "عصر ورجال" هو بلا شك: "ديوان الوطنية المصرية في الفترة ما بين سنة 1907 حتى سنة 1911" إذا قرأته اكتملت لديك صورة كاملة للعهد الذي ظهر فيه.. إذ لم تترك قصيدةٌ منها حدثًا سياسيًّا إلا وتعرضت له بروح ثائرة محبة للوطن.

لكن صحيفة المؤيد وصاحبها الشيخ علي يوسف شنت حملةً على الديوان، فلفتت إليه أنظار القصر والإنجليز، وأدركت الحكومة أنها أمام قذيفة مركزة من التحريض على الاحتلال والدعوة للثورة والاستقلال، فراحت تبحث عن الديوان في كل مكان، وأصدرت أمرًا باعتقال الغاياتي ومحمد فريد، والشيخ عبد العزيز جاويش لمشاركتهما في كتابة مقدمته، وبسبب ذلك الديوان الصغير قامت الحكومة لأول مرة بتعديل القانون ليصبح النظر في قضايا الصحافة والنشر من اختصاص محاكم الجنايات، بعد أن كان ينظر إليه بصفته "جنحة".

بدأت المأساة حين وجهت إليه النيابة تهمة (تحبيذ الجرائم وإهانة الحكومة)، فاختفى الغاياتي عن الأنظار ولم يحضر المحاكمة وحكم غيابيًّا على الغاياتي بالحبس سنة مع الأشغال.

الهجرة
نشطت السلطات في البحث عن (الغاياتي الذي غادر البلاد ظهر يوم الأربعاء متنكِّرًا في ملابس إفرنجية، فقص شاربه، ولبس نظارة سوداء، وسار بجانب ضابط تركي سهل هروبه من ميناء الإسكندرية حيث نزل بالآستانة، وبها تولى تحرير جريدة (دار الخلافة) وأخذ ينشر قصائده ومقالاته ضد السلطة الطاغية في مصر التي كانت تبحث عنه في كل مكان، وأخيرًا عرفت عنوانه في تركيا، وخوفًا من تسليمه بمعرفة الحكومة العثمانية للسلطات المصرية استقر عزمه على التوجه إلى سويسرا .

وهناك عاش على تدريس اللغة العربية بمعهد لتعليم اللغات، وقام في الوقت ذاته بمراسلة صحيفة الحزب الوطني في القاهرة والعمل مترجمًا في صحف سويسرية، ثم كاتبًا في أكبر الصحف هناك بمرتب شهري قدره ثلاثمائة فرنك، وبعد انقضاء عدة سنوات على الحكم عليه بالسجن حاول الغاياتي العودة إلى مصر، فاعتقلوه ثانية بتهمة أنه وصل إلى البلاد لتدبير الدسائس ضد الخديوي، وقاموا بترحيله إلى الخارج.

منبر الشرق
عندما قامت ثورة 1919 راح الغاياتي يدافع عنها في الخارج دفاعًا حارًّا، فقطعت الصحف السويسرية العمل عنه، فأصدر جريدةً على حسابه هي منبر الشرق كان يطبع ثلاث صفحات منها بالفرنسية وصفحة واحدة بالعربية، واستمرت الصحيفة منتظمةً في الصدور منذ عام 1922 حتى عام 1937 في ظروف بالغة الصعوبة إلى أن رجع الغاياتي بعد ذلك إلى مصر عام 37، حين انضمت مصر لعصبة الأمم المتحدة.

الغاياتي عندما كان في الخارج تزوج بفتاة سويسرية عام 1912، أعلنت إسلامها، وأسس أسرته، وزوج بناته من شباب مصريين.

العودة للوطن
ظل (الغاياتي) سنوات طويلة في سويسرا وقلبه يهفو إلى وطنه ويحنُّ إلى أهله وعشيرته، ولاحَ في الأفق ضوء جديد حين وصل إلى "مونتريه" بسويسرا وفدٌ مصريٌ فطلب إليه أن يعود إلى وطنه، وعاد إلى مصر يوم 28 يونيه 1937، وكان يوما مشهودا في حياة الغاياتى حين نزل بأسرته إلى أرض الوطن الذي غاب عنه سبعة وعشرين عامًا، عاد ومعه قلمه وجريدته (منبر الشرق) ليبدأ مرحلة جديدة من كفاحه حيث أعيد إصدار ديوانه وطنيتي وعاود إصدار منبر الشرق من القاهرة، وكان الإخوان المسلمون يلتقون على هذه المجلة يكتبون فيها، وهو ما جعل الجريدة تحيا بعد موات، وتشتهر بعد خمول وقد استمرت حتى وفاته.

وكان شعاره
باسم الكنانة واسم شعب ناهض لا باسم أحزاب ولا زعماء
ظل يزول وينقضي، أما الحِمى فـوديعـة الآباء للأبناء

وفاته:
توفي علي الغاياتي في اليوم السابع والعشرين من أغسطس عام 1956 بالقاهرة حيث دفن بها.

من شعره:
يقول في قصيدة بعنوان (ثمن الاحتلال) يهيب بالشباب أن يثور على الظلم:
أيها الشعب أفـق ولى الظلام، ولاح النور للمستبصر فانهض الآن ولا ترقب غدًا وادفع الشر بسيف الحذر
وفي قصيدة نحن و الاحتلال يقول:


كفكفي يا مصرُ دمعَ الوَجَلِ وارتقبْ يا نيلُ نَيْلَ الأملِ
جاوزَ الصبرُ المدى، والصدرُ لم يُبقِ فيه الوجدُ من مُحْتَمَل

مشكلة أو مأساة على الغاياتي أنه لم يحسب بين الشعراء، لأنه لم يكن شاعرًا عظيمًا، ولا بين أعلام الصحافة، أو النقد، لكنه يحسب كروح عابرة ثائرة مرت على أحلام مصر وحلقت بها قليلاً لأعلى، وفي أيامنا هذه يشتاق المرء كثيرًا إلى روح حية من نوع علي الغاياتي.

المراجع
- "كامل الدابي، علي الغاياتي"، مارس 4 198م.
- محمد الخولي، وطنيتي على نهر الإيست، استراحة البيان.
- أحمد الخميسي، ديوان- وطنيتي- قصة الروح الثائرة، الحوار المتمدن- العدد: 731 – 1/2/2004م.
- موقع كنانة أون لاين.[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]

الشيخ الشرقاوي: عندما يواجه العالم ظلم الحاكم
مازل الأزهر الشريف يُخرج العلماء والمصلحين


كان ولا يزال للعالِم المسلم دورٌ كبيرٌ في حياة الأمة؛ حيث ما فتئ علماء الدين المسلمين عبر تاريخ الدعوة الطويل يلعبون دورَهم في إصلاح الدين والدنيا بين الحاكم والرعية، مع التمسك بأهداب العدالة وكلمة الحق ومواقفه، أيًّا كانت المشكلات والمصاعب التي تعترض سبيل الإصلاح والدعوة.

وكان الأزهر الشريف ورجاله دومًا يقفون على قمة هرم الدعوة والإصلاح في مصر والعالم العربي والإسلامي مهما مرت به رياح السلطان العاتية على هذه المؤسسة العريقة على النحو الذي تعاني منه في الوقت الراهن.

ومن بين هؤلاء العلماء الشيخ الشرقاوي، الذي كانت سيرته ومسيرته دومًا- عبر السنوات الطويلة التي مرت على رحيله في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي- نبراسًا هاديًا ونموذجًا فعَّالاً لعالم الدين والداعية إذ يعلي من شأن الدين وينشر كلمة الحق في كافة أرجاء الدنيا وإذ يتصدى لظلم الحاكم.

من هو الشيخ الشرقاوي؟
هو عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشافعي من مواليد قرية الطويلة في بلبيس بمحافظة الشرقية، ومن ثم جاءت كنيته بـ"الشرقاوي"، وُلِد الشيخ الشرقاوي 1150هـ/ 1737م، ودرس وتعلم القرآن الكريم وحفظه في قرية القرين، ثم ارتحل إلى القاهرة حيث أكمل دراسة العلم الشرعي في الأزهر الشريف، وتعلم على أيدي عدد من كبار مشاهير الفقهاء في عصره، مثل الإمام الدمنهوري والشهاب الصعيدي.

عُرف عنه الزهد والتصوف والتقشُّف في متاع الدنيا حتى بعد أن تولى مشيخة الأزهر الشريف بعد وفاة الشيخ العروسي في عام 1801م/ 1218هـ ليكون هو الشيخ أو الإمام الأكبر الثاني عشر للأزهر الشريف، واستمر على زهده هذا في الدنيا حتى توفي رحمه الله في 2 من شوال 1227هـ الموافق 19 أكتوبر 1812م وخلال السنوات التسع التي قضاها في مشيخة الأزهر تعرضت مصر للعديد من المحن والأحداث المهمة التي كان للشيخ الراحل دوره في الدفاع فيها عن المظلومين وعامة الناس من ظلم السلطة.

دافع عن المظلومين في وجه استبداد السلطة
لم يقتصر دور الشيخ الشرقاوي في الإصلاح والدفاع عن المظلومين على الفترة التي قضاها في مشيخة الأزهر، بل كان طيلة حياته العملية يقوم بهذا الدور في تحدي السلطة الظالمة لمصلحة المواطن المظلوم، وفي هذا الصدد يحضرنا الموقف الخاص بأهالي مدينة بلبيس- مسقط رأس شيخنا الكريم- عندما حضروا إليه يشكون له من محمد بك الألفي أحد أمراء المماليك ممن حكموا مصر قبيل مَقدِم الثورة الفرنسية على مصر، وكان ذلك تحديدًا في عام ‏1795م؛ حيث كان الألفي قد أرسل عمالَه إليهم‏ يطلبون منهم ضرائب جديدة، مهددًا إياهم بسوء المعاملة والتنكيل بهم إذا لم يعطوه ما طلبه من أموال.

فقاد الشيخ الشرقاوي إضرابًا كبيرًا بالتعاون مع الأهالي والتجار والفلاحين، واجتمع بهم جميعًا مما أثار مخاوف الوالي الألفي وعدد من أمرائه الإقطاعيين ومن بينهم إبراهيم بك ومراد بك، ولم يتراجع الشيخ عن موقفه حتى تعهَّد أمراء المماليك برفع الظلم وإقامة الشرع وإبطال المكوس والضرائب.

وهنا وكما يقول الكاتب والمؤرخ المصري الدكتور إسماعيل إبراهيم في كتابه الضافي "شيوخ ضد السلطة والسلطان" (القاهرة: دارة الكرز- الطبعة الأولى 2004م- ص 82- 84): صمم الشيخ الشرقاوي على أن تكون استجابتهم كتابةً ويوقِّع عليها أمراء المماليك؛ حتى لا ينكصوا عهدهم مع الفلاحين المصريين مرةً أخرى،‏ وتم تحرير الوثيقة التي عُرفت باسم "الشرطة" وقد وقَّع الوالي محمد بك الألفي على هذه الوثيقة‏‏ ثم ختمها مراد بك، وكان من أهم بنودها:
- لا تُفرض ضريبةٌ جديدةٌ إلا إذا أقرَّها الشعب.
- أن ينزل الحكام على مقتضى أحكام المحاكم.
- ‏ألا تمتد يد ذوي السلطان إلى أفراد الشعب إلا بالحق والشرع.

وبعد أن خرجت الحملة الفرنسية من مصر بعد مقاومة كبرى قادها رجال الأزهر وعلى رأسهم الشيخ الشرقاوي والشيخ العريشي- اللذان اتُّهِما من جانب نابليون بونابرت بالضلوع في عملية اغتيال القائد الفرنسي الجنرال كليبر عام 1800 على يد الطالب الأزهري السوري سليمان الحلبي- قاد الشيخ الشرقاوي ثورةً ضمت آلاف المواطنين المصريين من مختلف الحرف والطوائف لإسقاط خورشيد باشا، بعد أن تعددت مظالم الناس منه ومن ممارسات جنوده في الأسواق والشوارع (فرق الدلاة والأكراد والأرناؤط والإنكشارية العثمانية التي جلبها خورشيد باشا معه)، ونجح الشيخ الشرقاوي في ذلك، وتم تعيين محمد علي الكبير واليًا على مصر في عام 1805م؛ حيث بزغ نجم آخر في ذلك الوقت وهو السيد عمر مكرم نقيب الأشراف.

وقد تعاون الشرقاوي ومكرم وعلماء الدين الآخرون في مصر على حفز الناس على مقاومة الغزو الإنجليزي على مصر في عام 1807م، والذي يُعرف تاريخيًّا باسم "حملة فريزر" نسبةً إلى قائد الأسطول البريطاني الغازي في ذلك الوقت.

ومات الشيخ الشرقاوي في عام 1812م/1227هـ بعد حياة حافلة بالجهاد ضد الظلم والاستعمار ضاربًا أروع أمثلة الفداء وأبرز نموذج لرجل الدين عندما يقف في وجه السلطان الظالم.

ومن أهم آثاره- رحمه الله- "التحفة البهية في الطبقات الشافعية" و"الجواهر السنية على العقائد المشرقية" و"العقائد المشرقية في التوحيد" و"تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من السلاطين".
[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]


الشيخ الدرديري: نصير المظلومين والضعفاء

هو الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهري الخلوتي المشهور بالدرديري، وكان يكنَّى بـ"أبي البركات"، والمولود في بني عدي بمركز منفلوط بمحافظة أسيوط، قرشي النسب؛ حيث يعود أصل القرية التي وُلد لأهلها في منفلوط إلى بني عدي من شبه الجزيرة العربية ممن هاجروا إلى مصر، وكان منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

وجاءت ولادته رحمه الله في عام 1127هـ/ 1714م، وكان على المذهب المالكي، وقيل إن سبب لقبه بالدرديري أو بالدردير أن قبيلةً من العرب نزلت ببلدهم وكان كبيرها يلقَّب بالدردير، وتصادف مولد جده عند نزول هذه القبيلة فلقِّب بالدردير فكان لقبه ولقب جده من قبله.

وكان عندما انتقل للحياة في القاهرة دأب على الخلوة في زاوية كان قد أنشأها بحي الكعكيين (بالقرب من حي الغورية)، وبعد عودته من أداء فريضة الحج في عام 1191هـ/ 1776م ظل مقيمًا بها حتى توفاه الله في شهر ربيع الأول سنة 1201هـ/ 1786م عن 74 عامًا ودُفن بنفس الزاوية التي كان يختلي فيها.

وكان من أهم ما تركه لنا من تراث فقهي كتبه "أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك" و"الخريدة السنية في التوحيد وشرحها" و"التوجيه الأسنى بنظم الأسماء الحسنى"، وكانت له رسالةٌ في متشابهات القرآن ورسالةٌ أخرى في آداب البحث وله رسائل في التصوف، من بينها: "تحفة الإخوان في آداب أهل العرفان" و"شجرة النور الزكية في طبقات المالكية".

وكان لمنزلته العلمية قد تم تعيينه شيخًا على المالكية ومفتيًا لهم في مصر حتى سُمِّي بـ"مالك الصغير" وكان من أبرز شيوخه الشيخ علي الصعيدي مفتي المالكية الذي درس الفقه على يديه، أما الحديث فقد درسه على يد الشيخين أحمد الصباغ وشمس الدين الحنفي، أما أبرز تلاميذه فهم محمد عرفة الدسوقي والشيخ العقباوي والشيخ الصاوي والشيخ السباعي وغيرهم.

الدرديري: صوت الحق عندما يتصدى لظلم السلطة
تربَّى هذا الشيخ في رحاب الأزهر الشريف الذي كان منذ إنشائه قلعةً لحماية الدين، يلجأ إليه عامة الشعب وخاصته؛ حيث كانوا يعتبرون علماء الأزهر بمثابة حكامهم الروحيين فإذا حل لأحد الناس مكروهٌ أو وقع عليهم ظلمٌ هرعوا إلى الأزهر يستنجدون بعلمائه، وقد عاش هذا الشيخ الجليل إبان حكم المماليك لمصر، وفي زمنٍ كان مراد بك وإبراهيم بك يقتسمان فيه حكم مصر، وكانت قد توالت في عهدهما حوادث النهب والاغتصاب وتعددت المظالم؛ حيث أصبح الناس مهدَّدين في أموالهم وأعراضهم وممتلكاتهم وأرواحهم أيضًا.

فكان الشيخ الدرديري واحدًا من هذه المنارات التي أضاءت الطريق أمام العوام لتبصيرهم بكيفية التعامل مع الحاكم الظالم واستبداد السلطة ورفضه والوقوف في وجهه، وكان له العديد من المواقف في هذا الشأن التي أهَّلته لأن يحمل لقب "نصير الضعفاء والمظلومين" ولم تكن ترهبه السلطة في مواقفه هذه، ومن بين أهم المواقف التي تعرفْنا عليها في سيرة الشيخ الدرديري في هذا الشأن عندما قام أحد البكوات المماليك باغتصاب قطعة من الأرض من أحد الفلاحين المصريين ثم قالت الشريعة كلمتها وحكم القضاء بأحقية الفلاح في أرضه السليبة، إلا أن هذا الحكم لم يعجب الأمير المملوكي وامتنع عن تنفيذه؛ لأنه رأى في نفسه أنه صاحب الحق والقوة والصولجان؛ ولذلك فمن "حقه" ألا يعيد هذا الحق المسلوب للفلاح؛ لأنه من عامة الناس، وهنا استنجد هذا الفلاح بالشيخ الدرديري.


وهنا علا صوت الحق مؤيِّدًا هذا الفلاح المسكين وقام الشيخ بحشد الكثير من عامة الشعب ضد ظلم هذا الأمير؛ ولذلك لما رأى هذا الأمير أن الموقف ليس في صالحه رضخ وأقر بأحقية خصمه في هذه المظلمة ولم يكتفِ الشيخ الدرديري بذلك بل طلب أن تحرر وثيقة رسمية تكون بمثابة صُلح وتراضٍ بين الطرفين، وكانت هذه الواقعة ووثيقتها بمثابة مستندٍ دامغٍ يُلزم طغاة المماليك بعد ذلك بالاعتراف بحقوق أفراد الشعب.

وكان للشيخ الدرديري موقفٌ آخر مشابه لهذا الموقف؛ حيث قام حسين بشفت- وهو أحد أعوان إبراهيم بك- بفرض ضرائب جديدة على أهالي حي الحسينية بالقاهرة الفاطمية، ولما امتنعوا عن الدفع قام رجال المماليك بنهب أموالهم وتجارتهم وأمتعتهم فثار الناس واستنجدوا برجال الأزهر الشريف الذين خرجوا وعلى رأسهم الشيخ الدرديري؛ حيث تصدَّوا لمظالم المماليك ولم يرجعوا حتى أعادوا الحقوق لأصحابها.[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]




أبو ذر.. عندما لا يخشى المؤمن في الحق لومة لائم


"يا معشر الأغنياء والفقراء.. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تُكوى بها جباهُهم وجنوبُهم وظهورُهم".. عبارةٌ تعبر عن قائلها، وقائلها هو محامي الفقراء الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري المجاهِر بالحق، وأحد كبار رموز الإصلاح في التاريخ الإسلامي قاطبةً، وأحد أهم النماذج على تحدي السلطة الظالمة عندما تنسى الله سبحانه وتعالى ولا تحكم بما أنزل.

عاش حياته ثائرًا على أوضاع خاطئة وممارسات خالفت صحيحَ الدين، قام بها بعضُ الولاة الأمويين، سواءٌ إبان حكم الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان أو في مطلع عهد الدولة الأموية، فكان نصيبه منهم الاضطهاد، إلا أنه لم يركن كثيرًا لذلك، فقد عرض نموذجًا للمؤمن إذ لا يخشى في الحق لومة لائم.

مَن هو أبو ذر الغفاري؟
هو جندب بن جنادة بن عبيد بن سفيان بن حرام بن غفار الغفاري، وينتهي نسبه إلى إلياس بن مضر، وكني بـ"أبو ذر"، لم يُعرف له تاريخُ ولادة على وجه الدقة، إلا أنه رضي الله عنه تُوفي في السنة الثانية والثلاثين للهجرة في عهد الدولة الأموية.

وفي طبقات "ابن سعد" والأعلام لـ"الزركلي" وُلد- رضي الله عنه- في مكة المكرمة، وكان يتألَّه في جاهليته، وكان لا يعبد الأصنام ويقول كلمة الحق، ولما سمع ببعثة الرسول- صلى الله عليه وسلم- اتجه إلى مكة مع أخيه وقابل الرسول- صلى الله عليه وسلم- وحيَّاه بتحية الإسلام، وهو أول من حيَّاه بها، فبايع الرسول- صلى الله عليه وسلم- على ألا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، وأن يقول الحق ولو كان مرًّا.


وقد جاء إسلام أبو ذر في وقت مبكر من تاريخ البعثة المحمدية؛ حيث كان رابعَ أو خامسَ من أسلموا، وذهب إلى قومه (غفار) ليدعوهم إلى الإسلام بناءً على طلب من الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأسلم على يديه كثير من العرب هناك.

قصة إسلامه رضي الله عنه

روى أبو ذر رضي الله عنه قصة إسلامه في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ألا أخبركم بإسلام "أبو ذر"؟! قال: قلنا بلى. قال: "قال أبو ذر: كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي انطلِق إلى هذا الرجل كلِّمه وأتني بخبره، فانطلَق فلقيه ثم رجع، فقلت ما عندك؟ فقال والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشر، فقلت له: لم تشفني من الخبر، فأخذت جرابًا وعصا، ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد، قال فمر بي عليٌّ، فقال كأن الرجل غريب. قال: قلت: نعم؛ قال فانطلق إلى المنزل قال فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء، قال فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزلَه بعد، قال: قلت لا. قال: انطلق معي، قال: فقال ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له إن كتمت عليَّ أخبرتك، قال: فإني أفعل. قال: قلت له بلغنا أنه قد خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفِني من الخبر، فأردت أن ألقاه، فقال له: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنتَ، فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه على النبي- صلى الله عليه وسلم- فقلت له: اعرض عليَّ الإسلام فعرضه فأسلمتُ مكاني، فقال لي يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورُنا فأقبل، فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخنَّ بها بين أظهرهم، فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضُربت لأموت، فأدركَني العباس فأكبَّ عليَّ ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم تقتلون رجلاً من غفار ومتجركم وممرّكم على غفار، فأقلعوا عني، فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فصُنع بي مثلُ ما صُنِع بالأمس، وأدركني العباس فأكبَّ عليَّ وقال مثل مقالته بالأمس، قال فكان هذا أول إسلام "أبو ذر" رحمه الله.

أبو ذر إذ يتحدى السلطان
قاد أبو ذر الغفاري أول ثورة اجتماعية في الإسلام، وكانت موجهةً بالأساس ضد الولاة الأمويين ممن حكموا في بلاد الشام على عهد الخليفة عثمان بن عفان؛ حيث تصدى لكافة صور البذخ والغنى الفاحش، وطالب بإعادة النظر في عملية توزيع أموال بيت مال المسلمين، مع محاولته التصدي لمظاهر الاستبداد وأمراض الحكم، ومنها استغلال السلطة التي كانت قد بدأت تدبُّ في أرجاء بعض الولايات الإسلامية التي كان يحكمها عمالٌ من بني أمية؛ مما أدى إلى أنْ غضِب معاوية بن أبي سفيان- الذي كان يحكم الشام في ذلك الوقت- وأهل بيته منه.


وكان مرجعه الأول في هذا الصدد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مع تأثره الشديد بفترة حكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ حيث ساد الحكم العادل في كافة الأمور المتعلقة بالدولة على مختلف المستويات السياسية والمالية وغير ذلك، وكان فساد بني أمية قد بدأ في الظهور؛ مما ضايق كثيرًا شخصيةً مثل "أبو ذر" رضي الله عنه.


فكان يخطب في الناس في بلاد الشام بعد أن نُفي إليه ليكون تحت سمع وبصر معاوية فيقول: "يا معشر الأغنياء والفقراء.. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نارٍ تُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم".


وعلى ذلك حاول بنو أمية إرهابَه بتبني مجموعة من الأساليب لإرجاعه عن هذا الطريق ومنها التهديد والتجويع، وكان ردُّ "أبو ذر" الغفاري رضي الله عنه على ذلك: "إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل، ولَبَطن الأرض أحب إليَّ من ظهرها، والفقر أحب إليَّ من الغنى".. كذلك حاول بنو أمية نبذ أبو ذر اجتماعيًّا وإبعاد الناس عنه، مع محاولة فضحه بالباطل عبر إعطائه الأموال بغير حق، ولما لم يفلحوا في ذلك تم قطع عطائه من بيت مال المسلمين من أجل الضغط عليه.


وفاته رضي الله عنه
جاءت وفاة "أبو ذر" في العام الثاني والثلاثين للهجرة في الربذة- وهي مدينة تبعُد مائتي كيلو متر عن المدينة المنورة- وقد بلغ من شدة زهده وتقشفه أن بكت امرأتُه لحظة احتضاره؛ لأنها لم تجد ما تكفِّنه به، رغم أنه لو كان استمع لبني أمية لكُفِّن في الحرير والعطر، ولكنه- رضي الله عنه- أبَى إلا أن يلاقيَ ربه طاهرًا من دنس الدنيا، طامعًا في رحمته ومغفرته وجزيل عطائه في الآخرة.

[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]

سعيد بن المسيب.. سيد التابعين
حياته

وُلد سعيد بن المسيب في المدينة المنورة بعد عامَين من بدء خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يتميز بذاكرةٍ قويةٍ وحافظةٍ واعيةٍ، وتروى عنه الحكايات الكثيرة في هذا الشأن، كما كان يتميز- رضي الله عنه- بحُسن الهيئة ومظهره المهندم، وهو ما كان يرجع إلى ثرائه، وكان مع ذلك رجلاً يغلب عليه الجدّ ويُهيَّأ لمَن يقف أمامه أنه يقف أمام رجلٍ تمَّ تكليفُه بحراسة موازين الحق والعدل، فكان الحفاظ على العدالة وحب الحق من أبرز الصفات التي اتسم بها ابن المسيب.


وقد عاش ابن المسيب حياةً هادئةً تستند إلى التعاليم الإسلامية؛ حيث تزوَّج وأنجب ولدًا وبنتًا رباهما تربيةً إسلاميةً صحيحةً، كما كان لا يرجو في تجارته إلا وجه الله تعالى، ويُذكر عنه في هذا الصدد أنه كان يقول: "الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أَمْيَل.. والتجارة الحلال ليست من الدنيا النذلة"، كما كان يؤدي الزكاة كاملةً غير منقوصة.


مواقفه من السلطان
كان ابن المسيّب يبتعد عن الحكَّام الجائرين الذين يحاولون إحاطة أنفسهم بالرجال الصالحين ذوي الرأي الثاقب والمصداقية عند عامةِ الناسِ؛ من أجل تبرير كل خطاياهم وآثامهم تبريرًا دينيًّا، وهو الأمر الذي أدَّى إلى فوز ابن المسيب بقلوبِ العامة؛ مما زاد من أنصاره وأتباعه، كما أنه قام بتزويج ابنته بطالب علم فقيرٍ ماديًّا غنيٍّ روحيًّا ودينيًّا، ويرفض في المقابل طلب الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بأن يزوجها لولي العهد وهو ابنه الوليد.


آراؤه الدينية
الفتاوى التي قدَّمها ابن المسيّب يوضح أنه كان مَرِنًا على الرغم من الخطِّ العام الذي تبنَّاه بالأخذ بالرأي الأكثر حيطةً، ومن أهم هذه الفتاوى التي وضُحت فيها مرونتُه ما قاله لرجل سأله عن كيفية التصرف إذا وجد أحد الرجال وهو مخمور.. هل يسلمه إلى السلطان لكي يقيم عليه الحد؟! حيث ردَّ ابن المسيب على الرجل بأن ستر المخمور خيرٌ عند الله تعالى من تسليمه إلى السلطان.


ومن أهم التفسيرات التي قدَّمها للقرآن الكريم تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء)؛ حيث فسَّرهما ابن المسيب بأنَّ القلبَ السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن؛ لأنَّ قلب الكافر والمنافق مريض، وشاهد ذلك قوله تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (البقرة: من الآية 10).


وفاته
يُقال إنه تُوفي في العام 93 هجرية، إلا أنَّ القول الأرجح أنه تُوفي في العام 94 هجريًّا، وهو العام الذي سُمِّي باسم "عام الفقهاء" لكثرةِ الفقهاء الذين ماتوا في هذا العام، ويرحم الله تعالى هذا الفقيه العالِم الذي ترك في التراث الإسلامي نموذجًا للمثقَّف والفقيه الرشيد، الذي لم يكن يبغي في حياته إلا الإصلاح، والذي رفض بكل صدقٍ متاعَ الحياة الدنيا.
[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم مشاهدة الروابط. إضغط هنا للتسجيل...]

قديم 09-03-2010, 06:50 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
حره على كف صقار
مراقبة سابقة

إحصائيات العضو






حره على كف صقار غير متواجد حالياً

جزاك الله خير ع الطرح
ولاحرمك الاجر
دمت بحفظ الله

حرة




 

 

 


 
قديم 09-03-2010, 11:24 AM   رقم المشاركة : 3

الف شكر

على روعة التواصل
التقدير والاحترام





 

 

 


 
موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)
شخصيات, إسلامية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:02 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
شبكـة أبنـاء ليبيا