#1  
قديم 03-06-2009, 03:31 AM

معلومات العضو

المسكين
نجـم جديد
 
الصورة الرمزية المسكين

إحصائيات العضو






حزن اب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


كانت لنا ضيعة , وكنت دائم التردد عليها لمراقبة اعمالها الزراعية وكنت اعرف رجلا يدعى الشيخ عسافا صناعته نساج , كثيرا مازرته فى داره لاشاهده وقت العمل وهو يشتغل امام نوله المتواضع , وكان يرحب بي ويقدم لي فى كل مرة ازوره فيها فنجانا من قهوته الريفية , والرجل وسيم الطلعة , وقور حلو الحديث , له لحية مقصوصة يخطلط بياض شعره بسواده , ماتت زوجته منذ اعوام وخلفت له ابنا وحيدا , وهو كل عائلته , عكف على تربيته وتعليمه صناعة النسيج حتى برع فيها , واصبح ساعده الايمن .
وكان شابا جميل التكوين , قوي البنية , تلمع عيناه ذكاء ونشاطا , ويحبه ابوه حبا عظيما , ويكثر من التحدث عنه في المجالس , معددا فضائله بفخر واعجاب .
ذهبت مرة الى الضيعة كعادتي فبوغت بخبر فضيع كان له اسوا وقع فى قلبي , علمت ان الابن مات قتيلا تحت عجلات القطار ! وقصدت من فوري الشيخ عسافا في داره لاعزيه في نكبته , فاكرم وفادتى , وقدم لي كالمعتاد فنجانا من قهوته الريفية ولكنه كان يعمل كالألة الميكانيكية بلا روح , ولاحظت عليه شحوبا وامتقاعا في اللون, وكنت احس وهو يتكلم كأنه يفتش عن الموضوعات في حيرة , ذلك الذى كان لا يعوزه طلاقة ولا بيان , وكانت تعتريه نوبات صمت ووجوم , وقد عزيته بكلمة صغيرة اجتهدت ان اضمنها حقيقة شعوري نحوه فاجابني برد ساذج عادي . ولما انتهت زيارتي هززت يده طويلا في صمت هزة العطف والاخلاص .
ومرت الايام , وتكررت زيارتي للضيعة , وكنت دائما أسأل عن الشيخ عساف , فيخبرونني انه قليل الخروج من منزله , فاذهب اليه بدافع خفي , واقضي معه بعض الوقت , وكان الرجل يتهدم يوما عن يوم , فازداد وجهه شحوبا وتجهما وقل حديثه واصبح جافا مقتضبا .
ورايت منسجه غارقا في صمته ووحدته وانقباضه , ومنزله خرابا , لايتنفس عن الحياة , يخيم عليه الاهمال والصمت , وهو اشبه بقبر مهدم قديم غير صالح حتى ولا للاموات.
وجاء مرة , وبعد تناول القهوة رفع راسه وسالني قائلا : الا تستطيع ان تخبرني ياسيدى بما يحس به الشخص الذي يموت قتيلا تحت عجلات القطار , وما مبلغ ألمه ؟
فبغت , وحاولت عبثا اخفاء ارتباكي . ولكن قلت له : اظن انه لا يحس بشىء . انها ميتة سريعة ! فجهر بصوته وقال في تاكيد : انه يتالم اشد الالآم !
واحتقن وجهه وغارت تجاعيده اكثر من الاول , واحمرة عيناه المربدتان , ونفرت عروق رقبته , واختل تنفسه فاحترمت ألمه ولم اجب , وظل هكذا في صمته ثم هدا تدرجيا , وعاد الى خموله الاول .
ومرت الايام ايضا وتكررت زياراتي للضيعة والشيخ عساف ينحدر من سيىء الى لسوا حتى صار كالهيكل , وكان اذا سار قليلا ظهرت عليه بوادر الاعياء . وكان دائما مستغرقا في صمته . ومكثت مرة في الضيعة اسبوعا رايت في خلاله الشيخ عسافا مرة واحدة . جاءني عشية سفري , وكنت في الحديقة بمفردي تاركا نفسي تسبح في خمولها بعد يوم كله كد وتعب , وكان السكون الفظيع يخيم على المكان .
حياني الشيخ وجلس امامي وهو ينهج من المسير , وبعد ان استراح قليلا بادرني بقوله : قصدتك في حاجة .....فهل انت قاضيها لي ؟
فقلت وقد تحققت ان الرجل في ضيق مالي : طلبك مجاب ياشيخ عساف . كم تطب ؟
فنظر الي مستغربا وقال : لا اطلب نقودا ياسيدي .
ـ اذن ماذا ؟..... اتسمح لي بمرافقتك غدا ؟
فنظرت اليه في دهشة ولم اجب , وابتسم ابتسامة خفيفة وقال : اريد ان ارى الدنيا ... او اتفسح قليلا .. ان أتفرج على خلق الله وعلى المدينة الكبيرة التي لم ارها الا مرة في حياتي ... هل في طلبي هذا ما يثير العجب ؟
وكان يتكلم بلهجة متزنة رقيقة , وقد بدا وجهه يشرق اشراقه القديم , وأمسك يدي وجعل يلاطفها في الحاح وهو يقول : الا تجيبني الى طلبي ؟
فقلت وانا مازلت متحيرا : اجيبك اليه اذا كان هذا يسرك ... فلمعت عيناه وقال : يسرني جدا .
ولم يطل مكوثه معي اذ حل عليه الوخم سريعا فاعفيته من جلسته وقام وهو يشكرني , ويكرر لي عزمه على مرافقتي .
وفي صباح الغد اعدوا لنا العربة ذات البغلين المهدمتين واعتلى مقعد القيادة رجل فلاح بلبدة وجلباب , وكان في يمينه عصا طويلة لينة يستعملها { كرباج } وصعدت الى العربة انا وناظر الزراعة وانتظرنا مجىء الشيخ عساف . ولما طال بنا الانتظار قال لي الناظر : ان الرجل لن ياتي على ما اظن , واخشى ان يفوتنا القطار ... فاجبته قائلا : وهذا رايي .
وما كادت العربة تتحرك حتى سمعنا صوتا متقطع الانفاس ينادينا , فالتفت فاذا بالشيخ عسافا يجري صوبنا ـ حسبما تساعده قوته ـ وهو يشير علينا بان نتوقف .
فأمرت الحوذى بان يقف وجاء الشيخ عساف , وصعد الى العربة وتهالك على المقعد فى حالة تشبه الاغماء وهو يتمتم قائلا : لقد كادت تفوتني هذه الفرصة ....
وسرنا وبدا الشيخ يستعيد قوته , وبذل ما فى وسعه ليسامرنا ولكنه اخفق , اذ كانت موضوعاته مشوشة مبتورة , ولهجته مضطربة مختلة , وكان ينسى نفسه فيستغرق في وجوم عجيب وتصيبه الرعدة في بعض الاحيان كأنه مقرور او محموم .
اخيرا وصلنا ونزلنا من العربة , واتجهنا صوب المحطة , وجلسنا ننتظر القطار , ولاحظت عليه شيئا من امتقاع اللون , وكانت شفتاه ترتعشان من وقت لآخر . واخرجت ساعتي وقلت : لم يبق على وصول القطار الا خمس دقائق ... فرفع الشيخ عساف راسه وقال وهو يستعد للقيام : هلم ......
وقمنا الى الرصيف . وبعد قليل سمعنا هدير القطار ثم رايناه يهجم على المحطة هجوم الغازى المنتصر .
وبينما كنت مهتما مع الناظر والحمال باعداد الحقائب سمعت صياحا عاليا تبعته جلبة وهرج ثم شاهدت ازدحاما على جهة الرصيف , وطرق سمعي هذه الجملة : لقد تهشم وتقطع اربا ....
وهرعت الى صوب الزحام واستطعت ان ارى تحت عجلات القطار بقعا من الدم وبقايا ملابس ولحم آدمي مفروم , والتفت اتفقد الشيخ عسافا فلم اعثر له على اثر .....

محمود تيمور
قديم 03-07-2009, 10:19 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عصفورة
مشرفة سابقة
 
الصورة الرمزية عصفورة

إحصائيات العضو






عصفورة غير متواجد حالياً

بارك الله فيك
وجزاك خيرا





 

 

 




توقيع : عصفورة
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله
 
موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)
حسن

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:36 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
شبكـة أبنـاء ليبيا